الشوكاني

232

فتح القدير

يقول ) بدل من " إذ هم نجوى " . ( إن تتبعون إلا رجلا مسحورا ) أي يقول كل منهم للآخرين عند تناجيهم : ما تتبعون إلا رجلا سحر فاختلط عقله وزال عن حد الاعتدال . قال ابن الأعرابي : المسحور الذاهب العقل الذي أفسد من قولهم طعام مسحور إذا أفسد عمله ، وأرض مسحورة أصابها من المطر أكثر مما ينبغي فأفسدها . وقيل المسحور المخدوع ، لأن السحر حيلة وخديعة ، وذلك لأنهم زعموا أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم كان يتعلم من بعض الناس . وكانوا يخدعونه بذلك التعليم . وقال أبو عبيدة : معنى مسحورا أن له سحرا : أي رئة . فهو لا يستغني عن الطعام والشراب فهو مثلكم . وتقول العرب للجبان : قد انتفخ سحره ، وكل من كان يأكل من آدمي أو غيره مسحور . ومنه قول امرئ القيس : أرانا موضعين لأمر غيب * ونسحر بالطعام وبالشراب أي نغذي ونعلل . قال ابن قتيبة : لا أدرى ما حمله على هذا التفسير المستكره مع أن السلف فسروه بالوجوه الواضحة ( انظر كيف ضربوا لك الأمثال ) أي قالوا تارة إنك كاهن وتارة ساحر ، وتارة شاعر ، وتارة مجنون ( فضلوا ) عن طريق الصواب في جميع ذلك ( فلا يستطيعون سبيلا ) إلى الهدى أو إلى الطعن الذي تقبله العقول ويقع التصديق له لا أصل الطعن ، فقد فعلوا منه ما قدروا عليه ، وقيل لا يستطيعون مخرجا لتناقض كلامهم كقولهم : ساحر مجنون . وقد أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله ( إذن لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا ) قال : على أن يزيلوا ملكه . وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم والطبراني وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الأسماء والصفات عن عبد الرحمن بن قرط " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلة أسرى به إلى المسجد الأقصى كان جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره . فطارا به حتى بلغ السماوات العلى ، فلما رجع قال : سمعت تسبيحا من السماوات العلى مع تسبيح كثير سبحت السماوات العلى من ذي المهابة مشفقات لذي العلو بما علا . سبحان العلي الأعلى سبحانه وتعالى " . وأخرج ابن مردويه عن أنس " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال وهو جالس مع أصحابه إذ سمع هدة فقال : أطت السماء ويحقها أن تئط ، والذي نفس محمد بيده ما فيها موضع شبر إلا فيه جبهة ملك ساجد يسبح بحمده " . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ألا أخبركم بشئ أمر به نوح ابنه ؟ إن نوحا قال لابنه : يا بنى آمرك أن تقول سبحان الله ، فإنها صلاة الخلائق ، وتسبيح الخلق ، وبها يرزق الخلق " قال الله تعالى ( وإن من شئ إلا يسبح بحمده ) . وأخرج أحمد وابن مردويه من حديث ابن عمر نحوه . وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي أمامة قال : " ما من عبد سبح تسبيحة إلا سبح ما خلق الله من شئ " قال الله ( وإن من شئ إلا يسبح بحمده ) قال ابن كثير إسناده فيه ضعف ، وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " قرصت نملة نبيا من الأنبياء فأمر بقرية النمل فأحرقت فأوحى الله إليه من أجل نملة واحدة أحرقت أمة من الأمم تسبح " . وأخرج النسائي وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عمرو قال " نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن قتل الضفدع وقال : نقيقها تسبيح " . وأخرج أبو الشيخ في العظمة وابن مردويه عن ابن عباس في قوله ( وإن من شئ إلا يسبح بحمده ) قال : الزرع يسبح وأجره لصاحبه والثوب يسبح ويقول الوسخ إن كنت مؤمنا فاغسلني إذن . وأخرج أبو الشيخ عنه قال : كل شئ يسبح إلا الكلب والحمار . وأخرج ابن راهويه في مسنده من طريق الزهري قال : أتى أبو بكر بغراب وافر الجناحين ، فجعل ينشر جناحيه ويقول : ما صيد من صيد ولا عضد من شجرة إلا بما ضيعت من التسبيح . وأخرجه أحمد في الزهد وأبو الشيخ عن ميمون بن مهران قال : أتى أبو بكر الصديق فذكره من قوله غير مرفوع . وأخرجه أبو نعيم